
ألغت مصر وزارة قطاع الأعمال العام، التي تدير أكبر محفظة من الشركات المملوكة للدولة، ضمن تعديل وزاري حصل على موافقة مجلس النواب، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن آلية إدارة أصول الدولة مستقبلاً، بعد أكثر من عشر سنوات على إنشاء الوزارة ككيان مستقل عن وزارة الاستثمار.
146 شركة تحت الإشراف ونسبة ربحية 75%
تشرف الوزارة على 146 شركة مملوكة للدولة تعمل في قطاعات متنوعة، وتمثل نحو 26% من إجمالي الشركات المملوكة للدولة البالغ عددها 561 شركة حتى يوليو 2025، وفق وثيقة حكومية اطلعت عليها “الشرق بلومبرج”.
وتندرج تحت مظلتها 6 شركات قابضة في قطاعات السياحة والفنادق، والأدوية، والصناعات الكيماوية والمعدنية، والغزل والنسيج، والتشييد، والتي تشرف بدورها على شركات تابعة أصغر حجمًا.
وبحسب الوثيقة، حققت نحو 75% من شركات الوزارة أرباحًا، مقابل 25% تكبدت خسائر.
خطوة صائبة أم إعادة توزيع للملكية؟
مدحت نافع، الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لـ”الشركة القابضة للصناعات المعدنية”، وصف القرار بأنه “خطوة صائبة”، معتبرًا أن الوزارة لم يعد لها مبرر عملي في ظل وجود جمعيات عمومية ومجالس إدارات مستقلة لكل شركة، مشيرًا إلى أنها تكلف الدولة أموالًا ومصروفات دون مسوغ واضح للعمل.
ويرى نافع ضرورة إعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال العام تحت إشراف نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، المنصب المستحدث في الحكومة الجديدة، وذلك خلال مرحلة انتقالية لمدة عام، لتوفيق أوضاعها القانونية وفق قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981، بما يسمح بإدارتها ككيانات اقتصادية مستقلة ذات مرونة أكبر في إبرام الشراكات والتخارج وزيادة رؤوس الأموال.
التحول من قانون 203 إلى 159
تأسس الإطار القانوني لشركات قطاع الأعمال عام 1991 بموجب القانون 203، فيما يعني التحول المحتمل إلى قانون 159 إدارة الشركات كوحدات مستقلة إداريًا وماليًا، بخلاف النموذج الحالي الذي تُدار فيه الشركات باعتبار الدولة مالكًا ومشرفًا مباشرًا، مع مرور قرارات الإدارة عبر جمعيات عمومية تهيمن عليها الحكومة وتتطلب موافقات متعددة وتعيين قيادات بقرارات رسمية.
كما استبعد نافع وجود دور مباشر لصندوق النقد الدولي في قرار الإلغاء، موضحًا أن الصندوق يركز على تقليص مزاحمة الدولة للقطاع الخاص، لما لذلك من آثار على تنافسية الأسواق وتخفيف الأعباء المالية على الموازنة.
تحذيرات من تفتيت إدارة الأصول العامة
في المقابل، يرى محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، أن إلغاء الوزارة يمثل انتقالًا إلى نموذج توزيع ملكية الأصول العامة على وزارات مختلفة بحسب طبيعة نشاط كل شركة، واصفًا ذلك بأنه “توزيع مجزأ لوظيفة الملكية العامة” بدلاً من إدارتها عبر كيان موحد.
وحذر فؤاد من أن هذا النهج قد يؤدي إلى تراجع مركزية إدارة محفظة الأصول العامة، وإضعاف القدرة على تقييم الأداء والعوائد والمخاطر ضمن إطار شامل، بما قد يخلق تضاربًا بين اعتبارات الوزارات قصيرة الأجل ومتطلبات تعظيم القيمة الاقتصادية على المديين المتوسط والطويل، ويؤثر على كفاءة تخصيص رأس المال العام وجودة قرارات التخارج أو الشراكة مع القطاع الخاص.
وحدة الشركات المملوكة للدولة وصندوق مصر السيادي
جاء قرار إلغاء الوزارة بعد إنشاء “وحدة الشركات المملوكة للدولة” أواخر 2025، ضمن جهود حكومية لإعادة هيكلة ملكية الدولة وحوكمة دورها في النشاط الاقتصادي.
وتستهدف الوحدة الجديدة حصر أصول شركات الدولة وتقييمها وتحديد حجم محفظتها خلال خمسة أشهر، بحسب تصريحات رئيسها هاشم السيد في مقابلة سابقة مع برنامج “ويك إند القاهرة” على “الشرق”.
في الوقت ذاته، تراجع دور صندوق مصر السيادي، الذي تأسس عام 2018، خلال الفترة الأخيرة، خاصة بعد نقل تبعيته من وزارة الاستثمار إلى رئاسة مجلس الوزراء في أكتوبر 2024، حيث لم يعد طرفًا نشطًا في صفقات التخارج أو إعادة هيكلة الأصول، وسط عدم وضوح بشأن توجهاته المستقبلية.
وقال مسؤول حكومي لـ”الشرق”، طلب عدم نشر اسمه، إن المقترح قيد الدراسة يتضمن نقل تبعية الشركات التي كانت تخضع لوزارة قطاع الأعمال العام إلى صندوق مصر السيادي والوزارات القطاعية المعنية، مؤكدًا أنه لم يُتخذ قرار نهائي حتى الآن.






