
رغم تباطؤ التضخم.. محللون يستبعدون خفض الفائدة في مصر قبل نهاية العام
استبعد محللون وخبراء اقتصاد كلي استئناف البنك المركزي المصري دورة التيسير النقدي قبل نهاية العام الجاري، رغم تباطؤ معدلات التضخم خلال شهري أبريل ومايو الماضيين، مرجعين ذلك إلى استمرار الضغوط التضخمية والمخاطر الجيوسياسية العالمية، إلى جانب تزايد التوقعات بشأن تشديد السياسة النقدية الأميركية.
قال محللون تحدثوا لـ”العربية Business” إن احتمالات عودة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة، بالتزامن مع استمرار التوترات الإقليمية، تحد من قدرة البنك المركزي المصري على مواصلة خفض أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
تباطؤ التضخم لا يدعم خفض الفائدة
أظهرت بيانات التضخم في المدن المصرية استمرار تراجع الضغوط السعرية للشهر الثاني على التوالي، حيث تباطأ المعدل السنوي إلى 14.6% خلال مايو الماضي مقابل 14.9% في أبريل، مستفيداً من تأثير سنة الأساس وتراجع وتيرة ارتفاع الأسعار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
قالت الاقتصادي الأول بوحدة البحوث في شركة “ثاندر” لتداول الأوراق المالية، إسراء أحمد، إن تزايد احتمالات رفع أسعار الفائدة الأميركية يمثل عاملاً إضافياً يزيد من تعقيد المشهد أمام استئناف البنك المركزي المصري سياسة التيسير النقدي.
في المقابل، رأى العضو المنتدب ورئيس قطاع البحوث بشركة “سي آي كابيتال”، منصف مرسي، أن أسعار الفائدة الأميركية تعد أحد العوامل المؤثرة في قرارات السياسة النقدية المصرية، لكنها ليست العامل الحاسم.
أضاف أن مسار التضخم المحلي سيظل المحدد الرئيسي لاتجاه أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن التقديرات الحالية لا تدعم استئناف دورة التيسير النقدي خلال العام الجاري بغض النظر عن توجهات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
التوترات الجيوسياسية تعرقل التيسير النقدي
أكدت إسراء أحمد أن تطورات التضخم المحلي ستظل العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار أسعار الفائدة على الجنيه حتى نهاية العام الحالي.
أوضحت أن السيناريو الأكثر تفاؤلاً كان يفترض انتهاء التوترات الجيوسياسية وعودة حركة التجارة والملاحة العالمية إلى طبيعتها، بما ينعكس على أسعار النفط ويخفف الضغوط التضخمية عالمياً ومحلياً، وهو ما كان سيسمح للبنك المركزي بإجراء خفض محدود للفائدة خلال الربع الأخير من العام ربما بنحو 1%.
أضافت أن احتمالات تحقق هذا السيناريو تتراوح حالياً بين 10% و20% فقط، بينما يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار تداعيات التوترات الحالية حتى نهاية العام، بما يفرض الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول.
توقعات بعودة التضخم للارتفاع
توقعت إسراء أحمد اتجاه الحكومة إلى إجراء زيادة جديدة في أسعار المحروقات مع بدء تنفيذ الموازنة الجديدة حال استمرار الضغوط الحالية، ما قد يرفع متوسط التضخم خلال النصف الثاني من العام إلى نحو 17%، مع احتمالية تسجيل بعض القراءات مستويات تتراوح بين 19% و20% بصورة مؤقتة.
أضافت أن هذا السيناريو لا يترك مجالاً أمام البنك المركزي لاستئناف خفض أسعار الفائدة، بل يعني عملياً تجميد دورة التيسير النقدي حتى انحسار الضغوط التضخمية، وهو ما قد يمتد إلى الربع الأول أو الثاني من عام 2027.
اتفق معها المحلل الاقتصادي في بنك “ستاندرد تشارترد”، بدر الصراف، الذي رجح إبقاء البنك المركزي أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية حتى نهاية العام.
كما توقع أن تتراوح معدلات التضخم في مصر خلال العام المقبل بين 16% و17%، مستبعداً العودة إلى مستويات أحادية الرقم قبل عام 2028.
النفط والتضخم يحددان القرار المقبل
قال رئيس قطاع البحوث بالمجموعة المالية هيرمس، أحمد شمس الدين، إن التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أسعار النفط والتضخم تحد من قدرة البنوك المركزية عالمياً، خاصة في الأسواق الناشئة، على المضي في سياسات التيسير النقدي.
رهن أي خفض جديد للفائدة في مصر خلال الربع الأخير من العام بانحسار التوترات الحالية واستقرار أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل.
من جانبه، قال المدير التنفيذي لأسواق الدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، محمود نجلة، إن تراجع التضخم خلال الشهرين الماضيين لا يعني انتهاء الضغوط التضخمية، متوقعاً عودتها للارتفاع خلال الفترة المقبلة.
أوضح أن هناك عوامل محلية قد تدفع التضخم للصعود مجدداً، من بينها الزيادات المرتقبة في الأجور والمعاشات، إلى جانب استمرار إصلاحات منظومة الدعم والتحول التدريجي نحو الدعم النقدي.
تثبيت الفائدة يبقى السيناريو الأقرب
رغم اتفاق الخبراء على احتمالات تسارع التضخم خلال الفترة المقبلة، فإنهم استبعدوا في الوقت نفسه لجوء البنك المركزي المصري إلى رفع أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام الجاري.
قال منصف مرسي إن سيناريو رفع الفائدة يظل مرتبطاً بحدوث تسارع كبير في معدلات التضخم إلى مستويات تتراوح بين 18% و19% خلال الأشهر المقبلة، وهو ما لا تشير إليه التوقعات الحالية.
كما أكدت إسراء أحمد أن احتمالات رفع أسعار الفائدة لا تزال ضعيفة للغاية، ولن تصبح مطروحة إلا في حال حدوث تطورات استثنائية مثل خروج كبير لرؤوس الأموال الأجنبية أو تراجع حاد في تدفقات النقد الأجنبي أو ارتفاعات قوية وممتدة في أسعار الفائدة العالمية.
أضافت أن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار تثبيت أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، مع تعليق دورة التيسير النقدي لحين ظهور مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن مسار التضخم.
يرى محمود نجلة أن رفع الفائدة يظل احتمالاً قائماً من الناحية النظرية، لكنه غير مرجح حالياً، موضحاً أن البنك المركزي لن يلجأ إلى تشديد السياسة النقدية ما لم يتأكد من أن موجة التضخم المقبلة تتجاوز قدرة مستويات الفائدة الحالية على احتوائها.
أشار إلى أن ارتفاع التضخم بصورة مؤقتة أو تدريجية لا يستدعي بالضرورة رفع أسعار الفائدة، طالما أن السياسة النقدية الحالية لا تزال قادرة على استيعاب هذه الضغوط على المدى المتوسط، ما يجعل استمرار تثبيت الفائدة السيناريو الأقرب خلال الفترة المقبلة.








