
شهد قطاع التمويل غير المصرفي في مصر توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بزيادة الطلب على التمويل الاستهلاكي وسهولة الحصول على القروض مقارنة بالبنوك التقليدية، وهو ما أثار نقاشًا متزايدًا حول المخاطر المرتبطة بالنمو السريع لهذا القطاع، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكلفة المعيشة.
يأتي ذلك بالتزامن مع تحركات رقابية من جانب البنك المركزي المصري والهيئة العامة للرقابة المالية لتعزيز قواعد الانضباط الائتماني والحد من أي ممارسات قد تؤدي إلى تراكم المخاطر داخل السوق.
كان هشام عز العرب الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي – مصر CIB، قد حذر من توسع الأفراد في الاقتراض من شركات التمويل غير المصرفي بدلًا من البنوك، معتبرًا أن ذلك قد يمثل خطرًا على الدورة الاقتصادية، خاصة مع ارتفاع تكلفة التمويل وضعف قدرة بعض العملاء على السداد.
في المقابل، أكدت الهيئة العامة للرقابة المالية أن معدلات التعثر بمحافظ التمويل غير المصرفي ما تزال منخفضة وتقل عن 3% بنهاية عام 2025.
يرى خبراء مصرفيون أن التمويل غير المصرفي يلعب دورًا مهمًا في دعم الشمول المالي وتوفير التمويل لشرائح يصعب عليها التعامل مع البنوك، إلا أن التوسع غير المنضبط قد يؤدي إلى مخاطر اقتصادية إذا لم يقترن برقابة قوية وتقييم دقيق للجدارة الائتمانية.
كما أن استمرار الاعتماد على التمويل الاستهلاكي لتغطية الاحتياجات المعيشية، بدلًا من توجيهه نحو الأنشطة الإنتاجية، قد يزيد من الضغوط على الاقتصاد ويرفع احتمالات التعثر مستقبلًا.
المركزي يشدد الضوابط
في هذا السياق، شدد البنك المركزي المصري الضوابط المنظمة لتعامل البنوك مع شركات التمويل، عبر إلزامها بالإفصاح الدوري عن بيانات العملاء لدى شركة الاستعلام الائتماني “آي سكور”، والتأكد من وجود رقم تعريفي للشركات الممولة داخل منظومة الاستعلام الائتماني، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية وتحسين جودة التقييم الائتماني للعملاء.
كما تأتي هذه التحركات بالتزامن مع النمو السريع للقطاع، حيث ارتفعت التمويلات غير المصرفية إلى 95.8 مليار جنيه للمشروعات الصغيرة و78.2 مليار جنيه للتمويل الاستهلاكي بنهاية 2025.
التمويل غير المصرفي مكون أساسي بمنظومة التمويل
وقال أحمد أبو الخير إن مؤسسات التمويل غير المصرفي تمثل أحد المكونات الرئيسية في منظومة التمويل الحديثة، باعتبارها تقدم خدمات تمويلية وائتمانية خارج الإطار المصرفي التقليدي، مثل شركات التمويل الاستهلاكي والتقسيط والتمويل متناهي الصغر وبعض تطبيقات التمويل الرقمي، مشيرًا إلى أن هذه المؤسسات لعبت دورًا مهمًا خلال السنوات الأخيرة في تعزيز الشمول المالي وتوفير التمويل لشرائح لا تتمكن بسهولة من الحصول على قروض مصرفية.
وأوضح أبو الخير أن التوسع في نشاط التمويل غير المصرفي جاء مدفوعًا بعدة عوامل، في مقدمتها سهولة وسرعة الحصول على التمويل مقارنة بالبنوك، حيث تعتمد العديد من الشركات على إجراءات مبسطة ومتطلبات أقل فيما يتعلق بإثبات الدخل أو الضمانات أو التاريخ الائتماني، ما يجعلها خيارًا أكثر جاذبية لبعض العملاء، خاصة العاملين في القطاع غير الرسمي وأصحاب الدخول غير المنتظمة.
أضاف أن انتشار التجارة الإلكترونية وزيادة الاعتماد على الشراء بالتقسيط ساهما أيضًا في نمو التمويل الاستهلاكي، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية، الأمر الذي دفع بعض الأفراد إلى اللجوء للاقتراض لتغطية احتياجات معيشية والحفاظ على مستويات الإنفاق.
تحذيرات من التوسع غير المنضبط
حذر الخبير المصرفي من أن التوسع غير المنضبط في التمويل غير المصرفي قد يؤدي إلى مخاطر اقتصادية ومالية إذا لم يخضع لرقابة قوية وتقييم ائتماني دقيق، لافتًا إلى أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يزيد من الأعباء المالية على الأفراد، خاصة مع منح التمويلات دون دراسة كافية لقدرة العملاء على السداد، وهو ما قد يرفع معدلات التعثر ويؤثر على الاستقرار المالي.
وأشار إلى أن بعض مؤسسات التمويل قد تتجه إلى التوسع السريع في منح التمويلات بهدف تحقيق معدلات نمو وأرباح مرتفعة، دون تطبيق نفس مستويات الرقابة والانضباط الائتماني المعمول بها داخل القطاع المصرفي، وهو ما قد يؤدي إلى تكوين فقاعات ائتمانية يصعب احتواءها لاحقًا.
أزمة الرهن العقاري الأمريكية
وشبّه أبو الخير تلك المخاطر بما حدث خلال أزمة الرهن العقاري الأمريكية عام 2008، والتي بدأت نتيجة التوسع في منح قروض مرتفعة المخاطر دون تقييم كافٍ لقدرة المقترضين على السداد، قبل أن تتحول إلى أزمة مالية عالمية، مؤكدًا أن الهدف من المقارنة يتمثل في التحذير من مخاطر التوسع المفرط في التمويل الاستهلاكي غير المدروس.
وأكد أن التمويل غير المصرفي لا يزال يمثل أداة مهمة لدعم الشمول المالي وسد الفجوة التمويلية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الرقابة، وتطوير قواعد تقييم الجدارة الائتمانية، وزيادة الوعي المالي لدى الأفراد بمخاطر الاقتراض المفرط وارتفاع تكلفة التمويل، بما يضمن تحقيق توازن بين التوسع في التمويل والحفاظ على الاستقرار المالي.
وسيلة لمواجهة غلاء المعيشة
من جانبه قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح، إنه عندما يتحول الدين من وسيلة للإنتاج إلى طريقة لمواجهة غلاء المعيشة، يصبح التمويل الاستهلاكي مجرد حل مؤقت يخفي تراجع القوة الشرائية.
وأوضح أبو الفتوح أن تراجع معدل التضخم السنوي إلى 14.9% وفق أحدث البيانات لا يعني بالضرورة اختفاء الضغوط المعيشية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المواطنين لا يشعرون بانعكاس هذا التراجع على حياتهم اليومية بنفس الدرجة، في ظل استمرار ارتفاع تكلفة المعيشة وأسعار السلع والخدمات.
أضاف أن هذه الضغوط دفعت شريحة واسعة من الأفراد إلى الاعتماد بشكل أكبر على شركات التمويل غير المصرفي لتغطية احتياجات أساسية أو الحفاظ على مستويات الإنفاق المعتادة، خاصة مع سهولة الإجراءات وسرعة الحصول على التمويل مقارنة بالبنوك التقليدية، رغم ارتفاع تكلفة الاقتراض.
وأشار إلى أن التوسع في التمويل الاستهلاكي بدأ في صورة نمو طبيعي لعمليات التقسيط، لكنه تحول تدريجيًا إلى نمط ائتماني يعتمد على ضخ مزيد من السيولة في الاستهلاك دون وجود زيادة موازية في الإنتاج الحقيقي، وهو ما يزيد من الضغوط الاقتصادية، خاصة مع استمرار انكماش مؤشر مديري المشتريات عند 46.6 نقطة، بما يعكس تباطؤ النشاط الصناعي والإنتاجي.
ولفت إلى أن المخاطر لا ترتبط فقط بسلوك المستهلكين، بل تمتد إلى العلاقة بين شركات التمويل والبنوك، موضحًا أن شركات التمويل تعتمد بشكل أساسي على الاقتراض من البنوك ثم إعادة إقراض الأفراد بتكلفة أعلى، ما يعني أن البنوك تتحمل بصورة غير مباشرة جزءًا من مخاطر التعثر المحتملة.
وأكد أبو الفتوح أهمية التشدد التنظيمي في تطبيق القانون رقم 141 لسنة 2020، الذي ألزم شركات التمويل الاستهلاكي بالانضمام الكامل إلى منظومة الاستعلام الائتماني I-Score، بهدف الحد من الإفراط في الاقتراض وتحسين تقييم الجدارة الائتمانية للعملاء.
تأييد قرار المركزي
كما اعتبر أن قرار البنك المركزي بإلزام البنوك بالحصول على موافقة مسبقة قبل المشاركة في عمليات التوريق يمثل خطوة استباقية مهمة للحد من أي توسع مفرط في الأصول المالية غير المرتبطة بنشاط إنتاجي حقيقي، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تتكامل مع الإجراءات التي تتخذها هيئة الرقابة المالية لتشديد الرقابة على القطاع وتخفيف تكلفة تقارير الائتمان.
وأشار إلى وجود مخاوف حقيقية من تحول النمو السريع في التمويل العقاري والاستهلاكي إلى فقاعة ائتمانية مستقبلًا، خاصة في ظل الضغوط المتعلقة بالحساب الجاري وتراجع صافي الأصول الأجنبية، وهي عوامل قد تحد من قدرة النظام المالي على امتصاص أي موجة تعثر واسعة.
واختتم أبو الفتوح تصريحاته بالتأكيد على أن التكامل الرقابي بين البنك المركزي المصري وهيئة الرقابة المالية يمثل خط الدفاع الأساسي لمنع تحول ديون الأفراد إلى أزمة سيولة قد تؤثر على القطاع المصرفي والاقتصاد بشكل عام.






