
تسليم المشروعات تحت المجهر.. دقت ساعة الفرز في السوق العقاري
أثارت التطورات الأخيرة الخاصة بملف تسليم المشروعات العقارية العديد من التساؤلات حول مستقبل السوق العقاري، وما ينتظر شركات التطوير العقاري خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن الملف الجديد يتعلق بقدرة المطورين على تنفيذ المشروعات وتسليم الوحدات في المواعيد المتفق عليها، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التنفيذ وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، وهي عوامل تضع نموذج العمل الذي اعتمد عليه القطاع خلال السنوات الماضية أمام اختبار جديد.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه أرقام المبيعات تعكس قوة نسبية للسوق، إذ سجل أكبر 10 مطورين عقاريين مبيعات تعاقدية بلغت نحو 670 مليار جنيه خلال النصف الأول من 2026، مقابل 651 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة تقترب من 2.9%، إلا أن عدد الوحدات المباعة تراجع بنحو 5% إلى قرابة 39 ألف وحدة، وهو ما يكشف عن فجوة متزايدة بين نمو قيمة المبيعات وتطور حجم الطلب الفعلي، وفق تقرير ذا بورد كونسالتنج.
وخلال الأيام الماضية، استعرضت نشرة «بلوم العقارية» التي تصدرها بوابة «بلوم»، العديد من الأراء الخاصة بمصادر سوقية ومطورين للتعرف على ما ستفرزه الفترة المقبلة من تغيرات، جراء تصاعد الاهتمام الحكومي بملف التسليمات، بعدما وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي بإجراء مراجعة شاملة مع المطورين العقاريين للتأكد من الوفاء بالتزاماتهم تجاه المواطنين، والتشدد في عدم التأخير في تسليم الوحدات وإنشاء المرافق والبنية الأساسية المرتبطة بها، بما يضع ملف العلاقة بين المطور والمشتري في صدارة المشهد العقاري خلال الفترة المقبلة.
السوق أمام مرحلة جديدة
وقالت مصادر سوقية، إنه خلال السنوات الماضية، كان حجم المبيعات أحد أهم المؤشرات التي تستخدم للحكم على أداء المطور العقاري، لكن المعادلة بدأت تتغير تدريجيًا، وبات ملف تنفيذ المشروعات والالتزام بالتسليمات هو الأهم، خاصة مع ارتفاع تكلفة التنفيذ، وتغير أسعار مواد البناء، وارتفاع تكلفة التمويل، وهي عوامل تضغط على التدفقات النقدية للمطورين، وفي مقدمتها الشركات التي تعتمد بدرجة كبيرة على مقدمات الحجز والأقساط المستقبلية في تمويل مراحل التنفيذ.
ولفتت إلى أنه تظهر هنا أولى ملامح المرحلة المقبلة، إذ قد يصبح السوق أكثر قدرة على التمييز بين المطور الذي يمتلك ملاءة مالية وتدفقات نقدية تسمح له بمواصلة التنفيذ، وبين الشركات التي قد تواجه صعوبة في الحفاظ على معدلات الإنشاء نفسها مع ارتفاع التكلفة وتباطؤ معدلات البيع.
السوق قد لا يواجه أزمة جماعية
أحد المطورين – رفض ذكر اسمه – قال إن أحد السيناريوهات المطروحة بقوة هو دخول السوق مرحلة من الفرز بين المطورين، بحيث لا تنتقل الضغوط الحالية بالضرورة إلى القطاع بأكمله، وإنما تتركز بصورة أكبر لدى الشركات الأقل قدرة على تحمل ارتفاع التكلفة أو تمويل مشروعاتها.
وتابع أنه في هذه الحالة، سيكون كبار المطورين في وضع أفضل نسبيًا، مستفيدين من تنوع محافظهم الاستثمارية وقدرتهم على توليد تدفقات نقدية من أكثر من مشروع، بينما قد تجد الشركات الصغيرة نفسها أمام خيارات صعبة، تبدأ من إعادة جدولة الالتزامات وتمتد إلى الدخول في شراكات أو البحث عن مستثمرين جدد أو التخارج من بعض المشروعات.
وهذا السيناريو قد يؤدي إلى تغيير واضح في خريطة السوق، بحيث يصبح حجم الشركة وقدرتها التمويلية وسابقة أعمالها في التسليم عناصر أكثر أهمية من قدرتها على تحقيق مبيعات مرتفعة خلال فترة زمنية قصيرة، وفق المطور.
سيناريو جديد للتعامل مع التعثر
مصدر آخر، كشف أنه مع تصاعد الحديث عن المشروعات المتأخرة، يبرز سيناريو آخر يتمثل في انتقال التركيز من إنقاذ المطور المتعثر إلى إنقاذ المشروع نفسه وحماية حقوق المشترين، لافتا إلى أن المشروع الذي يمتلك أرضًا وموقعًا جيدًا ومبيعات قائمة وأعمال تنفيذية يمكن استكمالها قد يمثل أصلًا اقتصاديًا قادرًا على جذب مطور آخر أو مستثمر جديد، حتى لو كانت الشركة الحالية غير قادرة على استكماله بنفسها.
وأضاف أنه من هنا يمكن أن تظهر خلال الفترة المقبلة عمليات شراكة أو استحواذ أو إعادة هيكلة لمشروعات متعثرة، بدلًا من تركها مجمدة لفترات طويلة، خاصة إذا أصبح الهدف الأساسي هو ضمان استمرار التنفيذ والوصول إلى التسليم.
وفي حال اتساع هذا الاتجاه، فقد ينشأ سوق فرعي جديد للمشروعات المتعثرة، تدخل إليه الشركات الأكثر ملاءة للاستفادة من أصول قائمة ومبيعات سابقة، بدلًا من تحمل تكلفة تطوير مشروع جديد من نقطة الصفر، وفق المطور.
التقسيط الطويل تحت الاختبار.. هل تتغير معادلة البيع؟
ومن جانب آخر قال محلل في إحدى شركات الأبحاث، أكد أن أحد الملفات التي قد تشهد تحولًا جوهريًا هو نظام البيع نفسه، خاصة مع انتشار مدد التقسيط الطويلة التي أصبحت أداة رئيسية لجذب العملاء خلال السنوات الماضية.
ولفت إلى أن المشكلة تكمن في أن دورة تنفيذ المشروع تختلف بصورة كبيرة عن دورة تحصيل ثمن الوحدة؛ إذ قد ينتهي المطور من تنفيذ وتسليم المشروع خلال عدة سنوات، بينما يستمر تحصيل قيمة الوحدة من العميل لفترات تصل في بعض الحالات إلى 12 أو 14 عامًا.
وأشار إلى أن هذه الفجوة تخلق ضغطًا على السيولة، خصوصًا إذا ارتفعت تكلفة التنفيذ بوتيرة أسرع من التدفقات الداخلة من العملاء، وهو ما قد يدفع السوق تدريجيًا إلى إعادة التفكير في نموذج المقدم المنخفض والتقسيط طويل الأجل.
وتابع أن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء أنظمة التقسيط الطويل، لكنها قد تصبح أكثر تكلفة على العميل من خلال زيادة السعر النهائي، أو تتجه الشركات إلى رفع المقدم وخفض فترة السداد، بما يحقق توازنًا أفضل بين احتياجات المشتري واحتياجات المطور التمويلية، والتي قد تتغير مع اتجاه البنك المركزي المصري إلى خفض سعر الفائدة، وبذلك قد نشهد خلال الفترة المقبلة معادلة جديدة تقوم على مقدمات أعلى ومدد سداد أكثر واقعية مقابل قدرة أكبر على التنفيذ وتسريع التسليمات.
المبيعات بالقيمة ترتفع وعدد الوحدات يتراجع
المفارقة الأبرز في السوق خلال النصف الأول من 2026 تتمثل في استمرار ارتفاع قيمة المبيعات رغم تراجع عدد الوحدات، والتي رصدها تقرير ذا بورد كونسالتنج، فزيادة مبيعات أكبر 10 شركات إلى نحو 670 مليار جنيه، بالتزامن مع انخفاض عدد الوحدات المباعة بنحو 5%، تعني أن ارتفاع أسعار الوحدات لعب دورًا رئيسيًا في الحفاظ على نمو قيمة المبيعات.
وهنا يبرز سؤال مهم حول قدرة هذا النموذج على الاستمرار، إذ لا يمكن للسوق الاعتماد إلى ما لا نهاية على زيادة سعر الوحدة لتعويض انخفاض عدد الصفقات، خصوصًا إذا أصبحت القدرة الشرائية للمستهلك أكثر حساسية لأسعار العقارات، وفي هذه الحالة قد تتجه الشركات إلى تعديل المنتج بدلًا من خفض السعر المعلن، من خلال طرح مساحات أصغر، أو وحدات أكثر ملاءمة للقدرة الشرائية، أو تقديم حوافز إضافية، أو زيادة التركيز على الوحدات الجاهزة والقريبة من التسليم.
إعادة ضبط الأسعار
أما أكثر السيناريوهات إثارة للمشترين وفق ما رصده أحد المصادر السوقية، فإنه يتمثل في احتمال دخول السوق مرحلة إعادة تسعير، لكن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة حدوث انخفاض واسع في أسعار العقارات، فارتفاع أسعار الأراضي وتكلفة مواد البناء والأجور والتمويل خلال السنوات الماضية رفع تكلفة إنتاج الوحدة العقارية، وأصبح من الصعب على كثير من المطورين خفض السعر الاسمي بصورة كبيرة دون التأثير على هوامش الربحية أو التدفقات النقدية.
وأضاف أنه لذلك قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو إعادة ضبط تدريجية للأسعار بدلًا من موجة هبوط حادة؛ بمعنى أن بعض المشروعات قد تحافظ على أسعارها، بينما تقدم أخرى خصومات أو تسهيلات أو مزايا إضافية، في حين قد تضطر المشروعات الأقل طلبًا إلى إعادة النظر في أسعارها.
وتابع أنه من المرجح أيضًا أن يصبح الفارق بين المطورين والمشروعات أكثر وضوحًا، بحيث لا يتحرك السوق كله في اتجاه سعري واحد، وإنما تتحدد حركة الأسعار وفق الموقع وجودة المنتج ومعدل التنفيذ وسابقة التسليم.







