Bloom Gate -بوابة بلوم
Herms2024

كيف أخفت ميانمار صفقة واردات وقود الطائرات الإيراني؟

في عملية بدت على الورق وكأنها صفقة عادية لاستيراد الديزل من جنوب أفريقيا، وصلت ناقلة نفط خاضعة للعقوبات الأميركية إلى ميانمار في ديسمبر 2025، محملة بنحو 113 ألف برميل من الوقود الإيراني.

لكن خلف العقود التجارية ومستندات الشحن، كانت هناك عملية لإخفاء المصدر الحقيقي للوقود والتحايل على العقوبات الأميركية.

تكشف وثائق حصلت عليها رويترز أن شركة «دايناميك ويف» المتخصصة في الوساطة بتجارة الطاقة، ومقرها ميانمار، تعاقدت مع شركة «تاوان أويل تريدينج» التايلاندية على شراء شحنة من الديزل الجنوب أفريقي بقيمة 15.8 مليون دولار. غير أن الشحنة التي وصلت على متن الناقلة «ريف» لم تكن ديزلًا من جنوب أفريقيا، بل وقود طائرات إيرانيًا، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة وشركة «فورتيكسا» المتخصصة في بيانات الشحن والطاقة، وصور الأقمار الصناعية وتحليلات تتبع السفن.

لم يكن اختلاف محتويات الشحنة عن بياناتها مجرد خطأ في الأوراق، إذ تشير المستندات التي اطلعت عليها رويترز إلى أن تغيير التصنيف كان جزءًا من آلية مدروسة لإخفاء طبيعة الواردات، في وقت تواجه فيه ميانمار عقوبات أميركية تستهدف قطاع وقود الطائرات، بينما يخضع النفط الإيراني بدوره لعقوبات واسعة.

من وقود الطائرات إلى الديزل

تبدأ تفاصيل العملية من رسالة مؤرخة في 30 نوفمبر 2025، صادرة عن هيئة تنظيم الصرف الأجنبي في ميانمار. أبلغت الهيئة أحد عملاء «دايناميك ويف»، قبل وصول الناقلة بأيام، بأنها ستصدر مستندات الاستيراد التي تصنف الشحنة على أنها ديزل بدلًا من وقود طائرات.

الرسالة، التي حصلت عليها رويترز من منظمة «العدالة لميانمار»، لم توضح سبب تغيير التصنيف، لكنها سمحت للشركة وعميلتها «ناشونال إنرجي برايم أفييشن سيرفيسيز» بسداد قيمة الشحنة إلى شركة «تاوان» التايلاندية.

وتزداد أهمية هذه التفاصيل مع ما كشفته البيانات التي راجعتها رويترز، إذ لم تجد الوكالة ما يدعم وجود صفقة فعلية لتصدير الديزل من جنوب أفريقيا إلى ميانمار خلال عام 2025، رغم أن هذا هو الوصف الوارد في العقد التجاري.

بهذه الطريقة، لم يقتصر الأمر على إخفاء بلد المنشأ، بل امتد إلى تقديم وصف مختلف للمنتج المستورد، بما يحجب حقيقة وصول وقود طائرات إيراني إلى ميانمار.

15.8 مليون دولار عبر بنك تايلاندي

لم تتوقف الخيوط عند مستندات الشحن، بل امتدت إلى مسار الأموال. فقد نص عقد البيع على تحويل مبلغ 15.8 مليون دولار إلى حساب شركة «تاوان» لدى بنك سيام التجاري في تايلاند.

وكان خبراء تابعون للأمم المتحدة قد أشاروا في تقرير صدر عام 2024 إلى أن «تاوان» مورّد لوقود الطائرات إلى جيش ميانمار، كما وصف التقرير بنك سيام بأنه جهة رئيسية لتسهيل عمليات الشراء العسكري في البلاد.

ورد البنك آنذاك بأنه يلتزم بقوانين مكافحة غسل الأموال، وأن معاملاته المرتبطة بميانمار مشروعة ولا تتصل بتجارة الأسلحة، ولم تتمكن رويترز من تحديد ما إذا كان البنك على علم بالطبيعة الفعلية للشحنة أو بدور شركة «تاوان» في الصفقة.

ولم ترد «دايناميك ويف» أو «ناشونال إنرجي برايم أفييشن سيرفيسيز» على أسئلة رويترز بشأن الشحنة، كما لم تعلق الحكومة المدعومة من الجيش في ميانمار أو هيئة تنظيم الصرف الأجنبي أو وزارة الخارجية الإيرانية. ولم ترد وزارة الخزانة الأميركية على أسئلة بشأن شحنات وقود الطائرات بين البلدين.

العقوبات حاضرة.. والوقود مستمر

تسلط الصفقة الضوء على حدود تأثير العقوبات الأميركية، التي استهدفت قطاع وقود الطائرات في ميانمار عام 2023، ردًا على الغارات الجوية التي يشنها الجيش ضد أهداف مدنية خلال محاولاته سحق التمرد في البلاد.

وتفرض واشنطن أيضًا عقوبات واسعة على تجارة النفط والوقود الإيرانيين، ما يجعل التعاملات التي تجمع الموردين الإيرانيين والمشترين في ميانمار عرضة لمخاطر قانونية ومالية.

لكن ما تكشفه الوثائق هو أن هذه القيود لم توقف تدفق الوقود، بل دفعت الأطراف المشاركة إلى إخفاء طبيعته ومصدره خلف عقود وتصنيفات تجارية مختلفة. واستمرار هذه التجارة يعني توفير إيرادات بالعملة الأجنبية لإيران، إلى جانب إمداد الجيش في ميانمار بالوقود اللازم لتشغيل الطائرات وتنفيذ العمليات الجوية.

ولم تكن هذه الشحنة حالة منفردة، إذ كشف تقرير سابق لرويترز نُشر في يناير 2026 أن إيران كانت المورد الرئيسي لوقود الطائرات إلى جيش ميانمار بين أكتوبر 2024 وديسمبر 2025، وأن جانبًا كبيرًا من التجارة نُفذ عبر ناقلتي «ريف»، التي تغير اسمها لاحقًا إلى «ماريس»، و«نوبل».

كما أفادت رويترز في أكتوبر باستمرار شحنات وقود الطائرات بين إيران وميانمار خلال العام الحالي، استنادًا إلى تحليل شركة «سينماكس إنتليجنس» وصور الأقمار الصناعية.

وقود يغذي حربًا مستمرة

تأتي هذه التجارة في بلد يعيش حربًا أهلية منذ استيلاء الجيش على السلطة عام 2021، عندما أطاح بالحكومة المنتخبة ديمقراطيًا بقيادة أونج سان سو تشي.

وذكرت الأمم المتحدة في أغسطس أن الغارات الجوية التي شنها الجيش خلال الحرب أسفرت عن مقتل الآلاف، بينهم عدد كبير من المدنيين، ما جعل تأمين وقود الطائرات قضية تتجاوز التجارة والطاقة إلى تداعياتها العسكرية والإنسانية.

وفي تقرير نشرته الاثنين، قالت منظمة «العدالة لميانمار» إن المجلس العسكري يستورد وقود طائرات مصنفًا على أنه ديزل، ودعت إلى تشديد العقوبات على واردات الوقود. وأوضحت المنظمة أنها حصلت على الوثائق من خادم تابع للمجلس العسكري ظل متاحًا للجمهور لفترة وجيزة.

وتكشف القضية مفارقة العقوبات: فبينما ترفع واشنطن كلفة التعامل مع الوقود الإيراني وتستهدف شبكات إمداده، تستمر الشحنات في الوصول عبر ترتيبات تجارية ومالية تخفي حقيقتها. وفي هذه الحالة، كانت الفجوة بين ما تقوله الأوراق وما تحمله الناقلة هي المفتاح الذي أتاح استمرار تدفق الوقود.

الرابط المختصر
لمتابعتنا عبر تطبيق نبض اضغط هنا
Bloom and Nabd
آخر الأخبار