
رغم سلسلة من الصدمات الاقتصادية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال أول 18 شهرًا من الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أظهر الاقتصاد الأميركي قدرًا من الصمود، مدعومًا باستمرار الإنفاق الاستهلاكي، وقوة سوق الأسهم، وزخم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. إلا أن عددًا من المؤشرات الرئيسية، مثل التضخم وسوق العمل والقدرة الشرائية، ظلت تحت ضغط، في وقت لم تتحقق فيه بالكامل الوعود الاقتصادية التي رفعها ترامب خلال حملته الانتخابية، بحسب تقرير لوكالة رويترز.
رغم تلك التطورات، أظهر الاقتصاد الأميركي قدرا من الصمود فاق توقعات كثير من الاقتصاديين، إلا أن وعود ترامب بخفض الأسعار، وإحياء الصناعة الأميركية، وتحسين أوضاع الطبقة المتوسطة لم تتحقق بالشكل المأمول، وذلك قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
تراجع في سوق العمل
تشير بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي إلى أن المقارنة السنوية لسوق العمل أصبحت أكثر تعقيدا بعد تحديث تقديرات السكان مطلع عام 2026، لكن السلسلة التجريبية المعدلة التي تعود إلى عام 2020 تكشف تراجعا في حجم قوة العمل وعدد العاملين منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
يرتبط هذا التراجع بتشديد سياسات الهجرة وزيادة عمليات الترحيل، إلى جانب التغيرات الديموغرافية وارتفاع متوسط أعمار السكان، ما أدى إلى انخفاض عدد الأشخاص المتاحين لشغل الوظائف.
التصنيع لم يستعد زخمه
كان ترامب قد تعهد بإحياء قطاع التصنيع وإعادة الوظائف الصناعية إلى الولايات المتحدة، إلا أن بيانات التوظيف تشير إلى أن عدد العاملين في القطاع لا يزال أقل مما كان عليه عند انتهاء ولاية الرئيس السابق جو بايدن في يناير 2025.
في المقابل، شهد الاقتصاد طفرة في الاستثمارات المرتبطة بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وهو ما انعكس على زيادة الوظائف في قطاع التشييد، بينما لم يظهر حتى الآن تأثير واضح لهذه الاستثمارات على الإنتاج الصناعي أو التوظيف في المصانع.
كما أظهرت البيانات انخفاض عدد العاملين في القطاع الحكومي، بما يعكس أحد أبرز توجهات إدارة ترامب.
التضخم لا يزال مرتفعا
كان خفض التضخم محوراً رئيسياً في حملة ترامب الانتخابية، إلا أن الأسعار لم تتراجع بالشكل الذي وعد به، إذ لا يزال معدل التضخم أعلى من مستهدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
ساهمت الرسوم الجمركية في رفع تكلفة الواردات، بينما أدى ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، إضافة إلى الطلب القوي المرتبط باستثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى زيادة الضغوط التضخمية.
يرى عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أن استمرار انتقال موجات ارتفاع الأسعار بين مختلف السلع قد يؤدي إلى تضخم أكثر اتساعا خلال الفترة المقبلة.
تباطؤ نمو الدخول
رغم استمرار الإنفاق الاستهلاكي في مواجهة الصدمات الاقتصادية، فإن مؤشرات الدخل الشخصي المتاح المعدل حسب التضخم بدأت تتراجع خلال الأشهر الأخيرة.
يعكس هذا المؤشر حجم الدخل المتبقي للأسر بعد الضرائب، والذي يستخدم لتغطية نفقات السكن والغذاء والخدمات الأساسية، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة المستهلك الأميركي على الحفاظ على مستويات الإنفاق الحالية.
أزمة القدرة على تحمل التكاليف
لم ينجح ترامب في تحقيق وعوده بخفض تكلفة المعيشة وتحسين القدرة الشرائية للأسر الأميركية.
ولا يزال قطاع الإسكان يمثل أكبر التحديات، إذ أدت الطفرة السعرية التي أعقبت جائحة كورونا ثم الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة إلى وصول تكاليف شراء المنازل والرهن العقاري إلى مستويات مرتفعة، بالتزامن مع زيادة أقساط التأمين العقاري.
كما رفض ترامب التوقيع على مشروع قانون أقره الكونغرس بهدف تحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن، معتبرا أنه لا يمثل أولوية.
الأسهم تواصل الصعود
واصلت سوق الأسهم الأميركية تسجيل مستويات قياسية خلال ولاية ترامب الثانية، وهو ما استخدمه الرئيس باعتباره دليلا على نجاح سياساته الاقتصادية.
لكن البيانات التاريخية تشير إلى أن أداء سوق الأسهم خلال أول 18 شهرا من ولاية ترامب الثانية جاء في منتصف ترتيب أداء الرؤساء الأميركيين منذ عهد رونالد ريجان، إذ ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 25%، مقارنة بمتوسط مكاسب يبلغ نحو 24% خلال الفترات نفسها للرؤساء السابقين.
الذكاء الاصطناعي يقود الاستثمار
برز الذكاء الاصطناعي باعتباره المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي خلال ولاية ترامب الثانية، إذ قاد موجة واسعة من الاستثمارات في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
كما بلغ إصدار سندات الشركات حتى نهاية يونيو 2026 نحو 1.52 تريليون دولار، خُصص جزء كبير منها لتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي، في وتيرة قياسية تجاوزت مستويات الطفرة التي أعقبت جائحة كورونا.
وتشير قوة سوق السندات، إلى جانب انخفاض هوامش الاقتراض واستمرار الطلب القوي، إلى أن الشركات الأميركية لا تزال تتمتع بميزانيات قوية وقدرة مرتفعة على تمويل استثماراتها، رغم استمرار الضغوط الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية.







