
يأتي اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل في البنك المركزي المصري في وقت يشهد فيه الاقتصاد تراجعًا ملموسًا في معدلات التضخم، حيث انخفض معدل التضخم الأساسي –الذي يعده المركزي– إلى 10.7% في أغسطس 2025 مقابل 11.6% في يوليو، كما تراجع معدل التضخم العام للحضر على أساس سنوي إلى 12% في أغسطس مقابل 13.9% في يوليو الماضي.
ومنذ بداية العام، خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض بمقدار 5.25% لتستقر عند 22% و23% على التوالي، في إطار سياسة تستهدف التيسير النقدي وتعزيز النمو مع ضبط الضغوط التضخمية.
وكان البنك قد أشار في تقرير السياسة النقدية الصادر مطلع أغسطس إلى تعديل توقعاته بشأن التضخم، حيث توقع استقراره عند مستوياته الحالية خلال النصف الثاني من 2025 مع متوسط سنوي يتراوح بين 15% و16%، بدلًا من التقديرات السابقة التي رجحت تراجعه إلى حدود 14–15%.
أما على المدى المتوسط، فقد رجح البنك المركزي أن ينخفض التضخم تدريجيًا خلال عام 2026 ليصل إلى متوسط يتراوح بين 11% و12%، مع استهداف بلوغ 7% ± 2% بحلول نهاية الربع الرابع من العام ذاته.
وترجح التقديرات أن يتراوح الخفض المقبل بين 1% و2% أو ما يعادل 100 إلى 150 نقطة أساس، استنادًا إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها تباطؤ التضخم المحلي، وخفض الفيدرالي الأمريكي للفائدة بما يتيح مرونة أكبر للأسواق الناشئة، فضلًا عن تحسن تدفقات النقد الأجنبي التي بلغت 49.25 مليار دولار في أغسطس واستقرار الجنيه المصري، وهو ما يمنح البنك المركزي مساحة أوسع للتحرك. غير أن التحدي الأكبر يظل مرتبطًا بالزيادة المرتقبة في أسعار الوقود خلال أكتوبر، والتي قد تعيد الضغوط التضخمية من جديد وتفرض على المركزي إعادة تقييم سياسته في الاجتماعات المقبلة.

قال هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، إن التوقعات تتزايد باحتمال خفض البنك المركزي المصري لأسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية في أكتوبر المقبل، بنسبة تتراوح بين 1% و2%، وذلك بعد سلسلة من التخفيضات التي تمت منذ بداية العام.
وأشار أبو الفتوح إلى أن هذا التوجه يستند إلى تحسن المؤشرات الاقتصادية، وعلى رأسها تراجع معدل التضخم السنوي الأساسي إلى 10.7% في أغسطس الماضي، مقابل مستويات أعلى خلال العام الماضي، إلى جانب تباطؤ التضخم الشهري إلى 0.1%. كما ساهم استقرار سعر صرف الجنيه المصري بدعم من ارتفاع موارد النقد الأجنبي إلى 49.25 مليار دولار في أغسطس 2025، في تعزيز قدرة المركزي على اتخاذ خطوات جديدة في سياسته النقدية.
وأكد أن التحدي الأكبر يظل متمثلًا في ارتفاع أسعار الوقود المقرر في أكتوبر، حيث اعتادت تلك الزيادات أن تدفع التضخم الشهري للارتفاع بنسب تتراوح بين 0.5% و2%، ما قد يفرض على البنك المركزي إعادة النظر في قراراته خلال اجتماع نوفمبر المقبل.
وأضاف أن المركزي قد يتجه إلى خفض تدريجي للفائدة في أكتوبر، مع ضرورة الموازنة بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار. لافتًا إلى أن هذه المعادلة ستكون حاسمة في مدى قدرة الاقتصاد على الاستفادة من التيسير النقدي دون التعرض لموجات تضخمية جديدة أو ضغوط على العملة.
واختتم أبو الفتوح تصريحاته بالتأكيد على أن هذه المرحلة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة في اتخاذ القرارات، إذ إن التوازن بين تحفيز النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار السوق ليس أمرًا سهلاً، لكنه يفتح في الوقت ذاته نافذة للفرص إذا ما تم التعامل معه بمرونة ومتابعة دقيقة للتطورات المحلية والعالمية.

ومن جانبه قالت دينا الوقاد، محلل الاقتصاد الكلي، إن التوقعات لاجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري الخميس المقبل تشير إلى أن السيناريو الأقرب هو خفض أسعار الفائدة في نطاق يتراوح بين 100 و150 نقطة أساس، مع مراعاة التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار.
وأوضحت أن هذا التقدير يستند إلى ثلاثة عوامل رئيسية؛ أولها تباطؤ معدلات التضخم محليًا، ما يمنح البنك المركزي مساحة أوسع للتحرك نحو التيسير النقدي. ثانيها السياسة النقدية العالمية، حيث إن خفض الفيدرالي الأمريكي للفائدة مؤخرًا بواقع 25 نقطة أساس يفتح المجال أمام الأسواق الناشئة ومنها مصر لاتخاذ خطوات مشابهة مع تقليل مخاطر خروج الاستثمارات الساخنة. أما العامل الثالث فيرتبط بأوضاع سعر الصرف والسيولة الدولارية، إذ ساهم التحسن النسبي في تدفقات النقد الأجنبي واستقرار الجنيه في تعزيز قدرة المركزي على المضي في خفض تدريجي للفائدة دون ضغوط كبيرة على سوق الصرف.
وأكدت الوقاد أن أي قرار نهائي سيظل رهينًا باستقرار المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة المقبلة، خاصة أسعار الطاقة والسلع الأساسية عالميًا، مشيرة إلى أن السياسة الأنسب للبنك المركزي في هذه المرحلة هي الخفض التدريجي والحذر للفائدة، بما يدعم النمو الاقتصادي ويحافظ في الوقت ذاته على استقرار السوق.

وفي سياق متصل قال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إنه من المرجح أن يبدأ البنك المركزي المصري خطوات التيسير النقدي عبر خفض محدود لأسعار الفائدة يتراوح بين 100 و150 نقطة أساس خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل، مع الاستمرار في متابعة التطورات الاقتصادية العالمية والمحلية لضمان تحقيق التوازن بين دعم النمو والحفاظ على الاستقرار المالي.
وأضاف أن المركزي قد يواصل هذا التوجه خلال الربع الأخير من عام 2025 عبر خفض تدريجي إضافي يتراوح بين 3 و4 نقاط مئوية حتى نهاية العام، بما يتماشى مع توجهات السياسة النقدية الهادفة إلى تعزيز النشاط الاقتصادي مع ضبط المخاطر.





