
دخل الاقتصاد المصري عام 2026 بمنعطف استثماري هو الأكثر تعقيدًا في العقد الأخير؛ حيث لم تعد المنافسة محصورة بين شركات التطوير العقاري وبعضها البعض، بل تحولت إلى تنافس شديد على مدخرات المصريين بين ثلاثة أقطاب: العقار، الذهب، والشهادات البنكية.
ومع استمرار سياسات التشديد النقدي والتحولات التشريعية المرتقبة، يطرح السؤال نفسه: هل لا يزال العقار قادراً على سحب السيولة من خزائن الذهب ومحافظ البنوك؟
الشهادات والذهب.. جاذبية السيولة اللحظية
وشهدت السنوات الأخيرة منافسة شرسة بين الذهب والشهادات البنكية والعقارات بسبب عامل «السيولة» ففي مطلع العام الجاري، لا تزال الشهادات تغري صغار المدخرين بعوائد مرتفعة تمنحهم دخلاً شهريًا دون مخاطرة، بينما يظل الذهب «الحارس التاريخي» للقيمة أمام تقلبات العملة، وذلك رغم بدء البنوك في خفض الفائدة على الشهادات، ومع موجة التراجع التي ضربت أسعار الذهب.
ويرى محللون أن «السيولة الطارئة» ستظل وفية للذهب، بينما سيبحث «رأس المال الصبور» عن بدائل أخرى، وهنا تظهر أهمية العقارات وخاصة على صعيد تقديم مشروعات وطروحات تتناسب مع متطلبات المرحلة، ورغبة العملاء، سواء على صعيد الأسعار أو المساحات وأنظمة التقسيط، لافتين إلى أن دخول صناديق الاستثمار العقاري والتوجه نحو الملكية الجزئية سيجذب شريحة كبيرة عانت من تردي قدرتها الشرائية وترغب في الاستثمار.
رؤية الخبراء: العقار يقلب الطاولة بسلاح الرفع المالي
رغم تحدي السيولة، يراهن خبراء القطاع على تفوق العقار كأداة «صناعة ثروة» لا مجرد «حفظ قيمة». ويؤكد المهندس علاء فكري، عضو مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري، أن قوة العقار تكمن في كونه الاستثمار الوحيد الذي يتيح للمواطن السيطرة على أصل بملايين الجنيهات مقابل مقدم ضئيل «10-15٪» مع تقسيط الباقي، وهي ميزة «الرفع المالي» التي لا تتوفر في الذهب أو الشهادات.
وفي تصريحات له، أشار الدكتور معتز شلبي، الخبير العقاري، إلى أن نوعية الطلب تغيرت؛ فالمنافسة الحقيقية للشهادات البنكية تأتي الآن من «العقارات الإدارية والفندقية»، مؤكدًا أن توجه المستثمرين نحو الوحدات التي تدار عبر شركات إدارة عالمية يضمن عائداً إيجارياً صافياً يتراوح بين «8٪ و10٪»، وهو ما يجعل العقار يجمع بين «الدخل الدوري» و«النمو الرأسمالي للأصل»، متفوقاً بذلك على الشهادات التي تتآكل قيمتها الحقيقية بفعل التضخم.
التشريعات الجديدة.. رصاصة الرحمة على مخاوف المستثمرين
ما قد يرجح كفة العقار في معركة المدخرات الحالية هو «صدمة الحوكمة» التي يشهدها السوق، فمع التوقعات بإقرار برلمان 2026 لقانون «اتحاد المطورين»، بدأت السيولة الهاربة للذهب في العودة للقطاع، ويعلق أسامة سعد الدين، المدير التنفيذي لغرفة التطوير العقاري، بأن تفعيل «الحساب الضامن Escrow Account» هو الضمانة التي كانت مفقودة؛ حيث تضمن رقابة البنك والقضاء على أموال المشترين، مما ينهي فوبيا «تأخر الاستلام» التي كانت تدفع المصريين للاحتماء بالذهب.
وأكد المحللون أن العقار لن يسحب كامل السيولة، ولكنه سيعيد هيكلة الخارطة؛ حيث تظل المدخرات الصغيرة في الذهب والبنك، بينما تنتقل الاستثمارات الكبرى إلى الأصول العقارية المنضبطة تشريعياً، مشيرين إلى أن العقار في مصر «يمرض ولا يموت»، وفي 2026 يبدو أنه يمر بمرحلة تعافي تعتمد على «الأمان القانوني» قبل «سعر المتر».





