
هربا من الاضطرابات.. هل تمتص عقارات مصر مليارات الخليج؟
أعادت الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة الناجمة عن حرب إيران رسم خارطة تدفقات رؤوس الأموال في الشرق الأوسط، حيث برزت مصر كواحدة من أكثر الوجهات استقراراً وقدرة على جذب الاستثمارات الخليجية الباحثة عن «ملاذ آمن».
ومع تصاعد حدة التوترات التي هددت ممرات التجارة العالمية، بدأ المستثمر العربي في إعادة تقييم محفظته الاستثمارية، وهنا يأتي دور القطاع العقاري المصري والذي أثبت قدرته على امتصاص الصدمات الاقتصادية والسياسية، وتصدر المشهد كخيار استراتيجي للتحوط من مخاطر المنطقة.
وتأتي التحولات الأخيرة، في الوقت الذي رصدت فيه عدة تقارير عن توجه خليجي قوي نحو العقارات المصرية، سواء على صعيد الأفراد أو الشركات، مثل تقرير «نايت فرانك» والذي كشف أن أثرياء الخليج من أصحاب الثروات العالية يخططون لاستثمار 1.1 مليار دولار في شراء مسكن ثانٍ بمصر خلال 2025، مع تصدّر الإماراتيين والسعوديين القائمة.
نزوح استثماري خليجي
الخبير الاقتصادي محمد بدرة يرى أن المشهد المتأزم بين إيران وإسرائيل قد يدفع بموجة نزوح استثماري خليجي نحو السوق المصري، مع تركيز لافت على العقارات الجاهزة للاستلام كوجهة آمنة للإقامة والتحوط، مؤكداً أن ملامح هذه الموجة بدأت تظهر بالفعل من خلال التحركات السعرية الأخيرة في سوق الذهب المحلي.
وأكد أنه على صعيد التأثيرات فإن أزمات الملاحة وسلاسل التوريد ستؤدي بالتبعية إلى زيادة في أسعار مواد البناء والخامات وبالتالي فإن عودة الارتفاع إلى أسعار الوحدات أمر وارد جدا، ما لم يحدث جديد على الساحة العالمية وإذا استمرت الحرب لفترة أطول.
ومؤخرا كشف موقع «العربية» عن بدء 3 صناديق عقارية خليجية، دراسة حزمة فرص استثمارية بالقطاع العقاري المصري باستثمارات تتجاوز 80 مليار جنيه، مشيرا إلى أن الصناديق الثلاثة، التابعة لدول السعودية والإمارات والكويت، تشمل صندوق «أبوظبي كابيتال»، وصندوقاً يتبع شركة «سمو القابضة» السعودية، إلى جانب صندوق كويتي قطري مشترك.
صفقات خليجية
وخلال الآونة الأخيرة وقعت عدة شركات خليجية صفقات مشروعات ضخمة في مصر، تمثل أحدثها في شركة الديار القطرية – الذراع العقارية لـجهاز قطر للاستثمار – والتي وقعت في نوفمبر 2025 اتفاقية شراكة مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لاستثمار 29.7 مليار دولار في تطوير مشروع سياحي على الساحل الشمالي، في إطار خطة تمتد لمدة 15 عامًا تستهدف إنشاء مجتمع عمراني متكامل.
وسبق ذلك إعلان شركة إعمار مصر، عن تفاصيل مشروعها الجديد الذي ستقيمه في البحر الأحمر «مراسي البحر الأحمر» الذي تتجاوز مساحته 10 ملايين متر مربع تعادل نحو 2426 فدانًا في خليج سوما بمحافظة البحر الأحمر، والذي يمثل خطوة استراتيجية كبيرة في توسعات الشركة داخل السوق المصري، إذ أنه أول مشروعاتها على ساحل البحر الأحمر، وسيكون له دور كبير خلال الفترة المقبلة في زيادة الجاذبية الاستثمارية للمنطقة، أسوة بالانطلاقة التي شهدتها منطقة رأس الحكمة خلال العامين الماضيين.
مشروع رأس الحكمة
وتواصل شركة مدن الإماراتية العمل على مشروع رأس الحكمة في الساحل الشمالي، وتستهدف طرح 7500 وحدة سكنية بمشروع «وادي يم» بمدينة رأس الحكمة، خلال عام ونصف العام، بحسب تصريحات سابقة للمدير العام لشركة مدن رأس الحكمة للتطوير، شهاب العرابي.
فإذا كانت المؤشرات السابقة قد رصدت رغبة نحو 94% من أثرياء الخليج في التملك بالسوق المصري، فإن الأزمة الحالية ضاعفت من جاذبية هذا التوجه، خاصة مع استمرارية الدولة في تنفيذ صفقات كبرى ومشروعات عملاقة وفرت غطاءً آمنًا للسيولة الدولارية الوافدة، بعيداً عن تقلبات أسواق المال المتأثرة بالصراعات العسكرية المباشرة.
تدفق استثماري إماراتي
وأظهرت بيانات نايت فرانك تصدُّر الإمارات باستثمارات بلغت 38.9 مليار دولار، بفضل مشروع «رأس الحكمة» والذي بلغ حجم الاستثمارات الإماراتية فيه 35 مليار دولار، وجاءت السعودية ثانياً باستثمارات تخطت 775 مليون دولار، ثم قطر بحجم استثمارات بنحو 618 مليون دولار.
وبحسب التقرير، يخصص المستثمرون الإماراتيون نحو 709 ملايين دولار لشراء وحدات سكنية في مصر، مقابل 403 ملايين دولار من السعوديين، في توجه يهدف بالأساس إلى اقتناء مسكن ثان أو منزل لقضاء العطلات. في الوقت ذاته، يشير التقرير إلى أن نحو نصف المشاركين في المسح، الذي أجرته نايت فرانك بالتعاون مع يوغوف، من أثرياء الخليج يرغبون في شراء مسكن في البلاد، ما يعكس جاذبية السوق المصرية.
وتعكس هذه التدفقات تنامي جاذبية المشروعات العملاقة في مصر، حيث أشار التقرير إلى أن جميع أثرياء الخليج تقريباً ممن شاركوا في المسح يعتزمون الاستثمار في أحد هذه المشاريع.
وتشير بيانات رسمية إلى أن مصر تُنفذ حالياً مشروعات إنشائية بقيمة 565 مليار دولار، فيما تبلغ قيمة العقود الممنوحة نحو 120 مليار دولار، ما يجعلها ثالث أكبر سوق للإنشاءات في المنطقة بعد السعودية والإمارات.





