
سيطرت العلاقة العكسية على تحركات أسعار النفط وسعر صرف الجنيه المصري خلال العام الجاري، إذ تزامن صعود خام برنت مع تراجع العملة المحلية أمام الدولار، في انعكاس لتأثير التوترات الجيوسياسية في شهية المستثمرين الأجانب تجاه أدوات الدين المصرية وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
ارتفع خام برنت بنحو 81% منذ بداية العام، بالتزامن مع تراجع الجنيه المصري بنسبة 17% أمام الدولار، في مسار يعكس حساسية سوق الصرف المحلية للتغيرات في أسواق الطاقة والتدفقات الاستثمارية، خاصة أن مصر تُعد من الأسواق الناشئة التي تجذب المستثمرين الباحثين عن العوائد المرتفعة، وفق الشرق بلومبرج.
لم تكن هذه العلاقة واضحة خلال عام 2025، وفقاً للتحركات الشهرية للأسواق، ما يشير إلى بروز نمط أكثر ارتباطاً خلال العام الجاري، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد تأثيرها في قرارات المستثمرين الأجانب.
تجارة الفائدة تقود تحركات الجنيه
تُعد مصر وجهة بارزة لاستثمارات تجارة الفائدة، إذ يستفيد المستثمرون الأجانب من العوائد المرتفعة على أذون الخزانة المحلية، عبر تحويل الدولار إلى الجنيه لشراء أدوات الدين، على أمل تحقيق عوائد تتجاوز الخسائر المحتملة الناتجة عن تراجع العملة.
تدعم هذه التدفقات سعر صرف الجنيه عندما يزداد إقبال المستثمرين على أدوات الدين المصرية، لكنها تتحول إلى مصدر ضغط عند ارتفاع المخاطر، إذ يتجه المستثمرون إلى تسييل حيازاتهم وتحويل أموالهم إلى الدولار، ما يزيد الطلب على العملة الأمريكية ويضغط على الجنيه.
التوترات الإقليمية تعزز الضغوط على العملة
تجلّت حساسية الجنيه المصري تجاه تحركات الاستثمارات الأجنبية مجدداً الأسبوع الماضي، إذ قدّر محمد أبو باشا، رئيس قسم تحليل الاقتصاد الكلي في بنك الاستثمار «إي إف جي هيرميس»، خروج استثمارات أجنبية بقيمة تتراوح بين 800 و900 مليون دولار، منها ما بين 300 و400 مليون دولار يوم الأربعاء وحده، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.
وبحسب مذكرة أصدرها البنك يوم الخميس، تراجعت حيازات المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المصرية، وفق تقديرات المؤسسة، إلى نحو 28 مليار دولار، مقارنة بذروة بلغت 35 مليار دولار بنهاية يونيو، نتيجة تخارج استثمارات تتراوح بين 4 و4.5 مليار دولار، إلى جانب انخفاض القيمة الدولارية للحيازات المتبقية بفعل تراجع الجنيه.
كيف ينتقل تأثير النفط إلى سوق الصرف؟
لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على زيادة تكلفة واردات الطاقة المصرية، بل يمتد إلى حركة رؤوس الأموال الأجنبية، إذ يتزامن تراجع الخام غالباً مع انحسار التوترات الجيوسياسية وتحسن شهية المستثمرين للمخاطرة، ما يدعم تدفقات الأموال إلى أدوات الدين المصرية.
في المقابل، يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى زيادة الضغوط على أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط، بالتزامن مع اتجاه بعض المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأسواق الناشئة، وسحب استثماراتهم من أدوات الدين المحلية، ما يعزز الطلب على الدولار ويضغط على سعر صرف الجنيه.
تعكس تحركات العام الجاري تداخل تأثيرات أسواق الطاقة مع تدفقات الاستثمار الأجنبي في تحديد اتجاه العملة المصرية، إذ لا تتحرك العلاقة بين النفط والجنيه عبر فاتورة الاستيراد وحدها، بل تتأثر أيضاً بتغير شهية المستثمرين للمخاطرة وسرعة دخول الأموال الساخنة إلى السوق المحلية وخروجها منها.








