
لم تعد الساعات الثماني والأربعون الماضية مجرد مناوشات عابرة في ملف الصراع الإيراني – الأميركي، بل أصبحت، وفقاً لمراقبين، نقطة التحول الأكثر حدة نحو مواجهة عسكرية كبرى قد تعيد صياغة المشهد الاقتصادي العالمي من نقطة الصفر، ونحن لا نتحدث هنا عن مجرد ارتفاع في أسعار الوقود، بل عن زلزال يضرب شرايين الطاقة، والغذاء، وحتى مياه الشرب.
مضيق هرمز.. حافة الهاوية
يرى الدكتور محمد سامح، أستاذ التمويل والاستثمار ووكيل بحوث اقتصاد مصر للعلوم والتكنولوجيا السابق، أن التحول الراهن يفتح الباب أمام أعقد الصدمات الاقتصادية؛ فمضيق هرمز يمر عبره نحو 21% من تجارة النفط العالمية (20 مليون برميل يومياً)، ويحذر سامح من أن تعطلاً جزئياً بنسبة 10% فقط، كفيل برفع الأسعار عالمياً بنسبة تصل إلى 40% في الأسابيع الأولى.
وتتفق هذه الرؤية مع تقارير شبكة بلومبرج الاقتصادية التي أكدت أن أي اضطراب في مضيق هرمز سيجعل من المستحيل على “أوبك+” تعويض الفاقد، مما قد يدفع سعر البرميل لتجاوز حاجز الـ 150 دولاراً، وهو مستوى لم يشهده العالم تاريخياً.

فاتورة الخبز والعملة في مصر
وبالانتقال إلى الداخل المصري، رسم الدكتور محمد سامح سيناريو شديد الحساسية؛ حيث تستهلك مصر ما يصل إلى 12 مليون طن قمح سنوياً، مشيرا إلى أن زيادة الأسعار بنسبة 25% تعني عبئاً إضافياً على الموازنة يتجاوز مليار دولار، ولا يتوقف الأمر عند الغذاء، بل يحذر من تراجع إيرادات قناة السويس بنحو 3 مليارات دولار سنوياً، مع احتمال انخفاض قيمة العملة بنسبة 20% نتيجة خروج الاستثمارات الأجنبية.
ومؤخرا حذر الصندوق في أحدث تقاريره عن منطقة الشرق الأوسط من أن الدول المستوردة للغذاء والطاقة وعلى رأسها مصر هي الأكثر عرضة للصدمات الانكماشية في حال توسع الصراع، مما قد يضطر الحكومات لزيادة الإنفاق الاجتماعي لمواجهة التضخم المستورد.
الأمن المائي والغذائي
ويلفت الدكتور سامح الانتباه إلى بُعد منسي في الأزمة، وهو الأمن المائي في الخليج؛ حيث تعتمد دول المنطقة بنسبة تصل لـ 100% على التحلية، وهي عملية ترتبط تكلفتها بنسبة 60% بأسعار الطاقة، كما يوضح أن أسعار الأسمدة قد تقفز بنسبة 40% نظراً لأن الغاز يمثل 70% من تكلفة إنتاجها، مما يعني قفزة فورية في تكلفة إنتاج القمح العالمي.
ورصدت وكالة رويترز مؤخراً تحركات لشركات الأسمدة العالمية لخفض الإنتاج بسبب تقلبات أسعار الغاز، مما يعزز مخاوف الدكتور سامح من أزمة ثلاثية (طاقة – غذاء – مياه) تتغذى كل منها على الأخرى.
وأشار الدكتور محمد سامح إلى أن العالم أمام بداية صدمة متعددة الأبعاد؛ حيث قد يدخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي مع تراجع النمو بنسبة 2% وارتفاع التضخم لمستويات قياسية في الأسواق الناشئة، لافتا إلى أنها ليست مجرد حرب صواريخ، بل هي حرب أرقام ومعيشة ستطال كل بيت من الخليج إلى أوروبا.



