
لم يؤدِ تراجع سعر صرف الدولار في مصر خلال الأسابيع الأخيرة إلى انخفاض سريع في أسعار السلع، رغم تحسن سعر العملة الأميركية مع انحسار التوترات الجيوسياسية في المنطقة، إذ لا تزال تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين تمثل عاملًا رئيسيًا يحد من تراجع الأسعار ويؤثر على مسار التضخم خلال الفترة المقبلة.
أرجع ممثلو منظمات أعمال ومحللون اقتصاديون استمرار ارتفاع أسعار السلع إلى بقاء تكاليف الشحن والتأمين عند مستويات مرتفعة، إلى جانب اعتماد الشركات على مخزون تم استيراده عندما كان الدولار وتكاليف الاستيراد أعلى من المستويات الحالية، بحسب العربية Business.
استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين
قال رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين علي عيسى إن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على البضائع وخامات الإنتاج المستوردة خلال الفترة الماضية لا يزال يضغط على أسعار السلع، ويحد من استفادة الأسواق من تراجع سعر صرف الدولار.
أضاف عيسى لـ”العربية Business” أن الحرب الإيرانية وما صاحبها من ارتفاع كبير في رسوم الشحن والتأمين رفعت تكلفة الواردات المصرية، إذ كان من المفترض أن ينعكس انخفاض الدولار بصورة أكبر على أسعار المنتجات، إلا أن استمرار ارتفاع التكلفة اللوجستية امتص جانبًا كبيرًا من هذا الأثر.
وأوضح أن أي زيادة في تكلفة الخدمات اللوجستية، سواء الشحن البحري أو النقل الداخلي، تنعكس مباشرة على أسعار البضائع باعتبارها أحد المكونات الرئيسية في هيكل التكلفة.
زيادات كبيرة في تكاليف النقل البحري
شهدت تكاليف الشحن البحري زيادات كبيرة منذ بدء الحرب الإيرانية نهاية فبراير الماضي، حيث ارتفعت أسعار شحن الحاويات القادمة من شرق آسيا بنحو 200%، فيما زادت تكلفة الشحن من الدول الأوروبية بنسبة 60%، وفق تقديرات الشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية بمصر.
لماذا لم تنخفض الأسعار حتى الآن؟
اتفق عضو شعبة السيارات باتحاد الغرف التجارية بالقاهرة منتصر زيتون مع هذا الطرح، مؤكدًا أن تراجع سعر الدولار وانخفاض تكاليف الشحن والتأمين سينعكسان إيجابيًا على معدلات التضخم وأسعار السلع بصورة تدريجية وليس بشكل فوري كما يتوقع المستهلكون.
أوضح زيتون أن المستوردين لا يزالون يتعاملون مع شحنات جرى استيرادها خلال الفترة الماضية، عندما كانت تكاليف الشحن والتأمين وسعر الدولار عند مستويات مرتفعة، لذلك يعتمدون حاليًا على احتساب متوسط تكلفة بين الشحنات القديمة والجديدة، لتقليل الخسائر وتجنب البيع بأقل من تكلفة الاستيراد.
وأضاف أن تكاليف التأمين لم تعد بعد إلى مستوياتها الطبيعية رغم تراجع حدة التوترات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن انخفاض الأسعار سيظل مرتبطًا بتراجع جميع عناصر تكلفة الاستيراد، وفي مقدمتها الشحن والتأمين وسعر الصرف.
توقع زيتون أن تبدأ الأسواق في استيعاب هذه المتغيرات تدريجيًا، مع ظهور أثرها بصورة أوضح خلال الربع الثالث من العام الجاري.
خبير اقتصادي: تأثير الحرب على الشحن كان محدودًا
من جانبه، قال عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع محمد أنيس إن تأثير ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على مصر يختلف عن بعض الدول الأخرى، خاصة أن جزءًا كبيرًا من وارداتها يأتي من الصين عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
أضاف أنيس أن الحرب الإيرانية لم تؤد إلى تعطيل حركة الملاحة في هذا المسار، وبالتالي لم يحدث في المتوسط ارتفاع كبير في تكاليف الشحن أو التأمين، كما لم تشهد سلاسل الإمداد اضطرابات مؤثرة.
أوضح أن الواردات القادمة من أوروبا تصل عبر البحر المتوسط إلى الموانئ المصرية، وهي أيضًا لم تتأثر بتطورات الحرب الأخيرة، مشيرًا إلى أن الصورة العامة لا تشير إلى وجود زيادة مؤثرة في تكاليف الشحن أو التأمين، ولا إلى اضطرابات واسعة في الإمدادات خلال الفترة الماضية، وإن كانت بعض الشحنات قد تعرضت لتأخير محدود في بداية التوترات.
توقعات التضخم خلال الفترة المقبلة
توقع رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين أن يسجل معدل التضخم في مصر استقرارًا في القراءة المقبلة، موضحًا أن انخفاض الدولار قابله ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما خلق حالة من التوازن حدّت من تراجع الأسعار.
أشار إلى أن انخفاض الأسعار بصورة ملموسة يتطلب استمرار تراجع سعر الدولار وانخفاض رسوم التأمين المرتبطة بمخاطر الحرب.
أوضح عيسى أن البضائع المتداولة حاليًا لا تزال تتحمل تكاليف الشحن والتأمين المرتفعة التي تم التعاقد عليها سابقًا، فيما سيظهر الأثر الإيجابي لانخفاض هذه التكاليف مع وصول الشحنات الجديدة إلى الأسواق.
ورأى أن أسعار الوقود تمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في التضخم، مؤكدًا أن أي خفض في أسعار المحروقات، لا سيما المرتبطة بنقل البضائع، سيكون له تأثير مباشر وملحوظ في تهدئة معدلات التضخم.
رؤى متباينة بشأن تأثير الشحن على الأسعار
في المقابل، قلل خبير أسواق المال هيثم فهمي من تأثير ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على معدلات التضخم خلال الأشهر المقبلة، متوقعًا تراجع هذه التكاليف تدريجيًا مع انتهاء التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
أشار إلى أن بيانات التضخم لم تعكس تأثيرًا كبيرًا لهذه الزيادة، إذ انخفض معدل التضخم السنوي في المدن إلى 14.6% خلال مايو، مقارنة مع 14.9% في أبريل، وهو ما يشير إلى محدودية تأثير اضطرابات الشحن على الأسعار.
رجح فهمي ألا تشهد الأسواق موجة تضخمية جديدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن، خاصة مع تحسن أوضاع سلاسل الإمداد واستقرار حركة التجارة العالمية.
فيما قال عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع محمد أنيس إن الحرب الإيرانية رفعت معدلات التضخم في مصر بنحو 3% تقريبًا، قبل أن تبدأ في التباطؤ مجددًا في أبريل ومايو الماضيين.
رجح أن يواصل التضخم مساره النزولي خلال الأشهر المقبلة، حال استمرار استقرار الأوضاع الجيوسياسية وعدم حدوث اضطرابات جديدة في التجارة العالمية، متوقعًا أن يقترب معدل التضخم من مستوى 11% خلال الربع الرابع من عام 2026.







