
تضع التوترات الجيوسياسية مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس في صدارة الممرات التي تراقبها أسواق الطاقة والتجارة العالمية، مع ما قد يترتب على اضطراب الملاحة فيها من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأخر الإمدادات، وتكشف الأزمات الأخيرة أن تغيير مسارات السفن لا يقتصر أثره على زمن الرحلات، بل يمتد إلى تكلفة التجارة وحركة الاقتصاد العالمي.
تكتسب الممرات البحرية الثلاثة أهمية استراتيجية من دورها في نقل النفط والغاز الطبيعي المسال والبضائع بين مراكز الإنتاج والاستهلاك، إذ قد يؤدي تعطل الملاحة في أي منها إلى إعادة توجيه السفن نحو مسارات أطول، بما يرفع نفقات النقل ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد والأسواق، بحسب ما نقلته «العربية Business».
مضيق هرمز.. شريان رئيسي لتجارة الطاقة
يمثل مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، أحد أهم ممرات نقل الطاقة عالمياً. وبلغت تدفقات النفط والسوائل البترولية عبره نحو 20.7 مليون برميل يومياً في عام 2024، وارتفعت إلى نحو 20.9 مليون برميل يومياً خلال النصف الأول من عام 2025، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
يمر عبر المضيق نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم، كما تعتمد صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات بدرجة كبيرة عليه، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة تهديداً لتدفقات الطاقة، مع احتمالات انعكاسه على الأسعار وتكاليف النقل والتأمين.
وتوجد مسارات بديلة محدودة لنقل جزء من النفط، من بينها خط الأنابيب السعودي الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وخط الأنابيب الإماراتي الذي يصل إلى الفجيرة على خليج عُمان، لكن قدرة هذه البدائل لا تكفي لتعويض كامل التدفقات التي تمر عبر المضيق.
باب المندب.. حلقة الوصل بين المحيط الهندي وقناة السويس
يقع مضيق باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي، ويربط خليج عدن والبحر الأحمر، ليشكّل ممراً أساسياً للسفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وتؤثر الاضطرابات الأمنية في المنطقة مباشرة على حركة السفن وتكاليف عبورها، خصوصاً مع اتجاه شركات شحن إلى تغيير مسارات رحلاتها.
وتراجعت تدفقات النفط والسوائل البترولية عبر المضيق إلى نحو 4.1 مليون برميل يومياً في عام 2024، مقارنة بنحو 9.3 مليون برميل يومياً في عام 2023، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وتبرز أهمية باب المندب أيضاً في ارتباطه بممرات تمثل مجتمعة نحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحراً وقرابة 8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
قناة السويس.. طريق أقصر بين آسيا وأوروبا
تُعد قناة السويس أحد أهم الممرات التجارية العالمية، إذ توفر طريقاً أقصر للسفن بين آسيا وأوروبا مقارنة بالدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. وتُقدّر حصة القناة بنحو 12% من التجارة العالمية، ما يجعل تراجع حركة الملاحة فيها مؤثراً في حركة البضائع وتكاليف نقلها.
تعرضت إيرادات القناة لضغوط نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وتحويل شركات شحن مسارات سفنها إلى طرق بديلة. وخسرت مصر نحو 7 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس خلال الفترة بين عامي 2023 و2024، بعدما سجلت القناة إيرادات قياسية بلغت نحو 10.2 مليار دولار في عام 2023.
ولا تقتصر تداعيات تراجع حركة العبور على إيرادات القناة، بل تمتد إلى الأنشطة المرتبطة بالنقل والخدمات البحرية واللوجستية، فضلاً عن زيادة زمن وصول الشحنات وارتفاع تكلفة نقلها إلى الأسواق المستوردة.
رأس الرجاء الصالح.. مسار بديل بتكلفة أعلى
مع تصاعد المخاطر في البحر الأحمر، اتجهت شركات شحن إلى تحويل مسارات سفنها حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يزيد المسافة ومدة الرحلات واستهلاك الوقود. وارتفعت حركة السفن عبر هذا المسار بنحو 89% خلال أزمة البحر الأحمر، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد».
توضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن رحلة ناقلة من الخليج إلى شمال أوروبا تستغرق نحو 19 يوماً عبر قناة السويس، مقابل نحو 35 يوماً عند الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وتؤدي هذه الزيادة في زمن الرحلة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، كما قد ترفع أقساط التأمين وتكاليف الشحن والانبعاثات المرتبطة بالرحلات الأطول.
اضطراب الممرات البحرية يضغط على سلاسل الإمداد
تُظهر تداعيات الاضطرابات في هرمز وباب المندب وقناة السويس أن أمن الممرات البحرية يرتبط مباشرة باستقرار تجارة الطاقة وحركة البضائع عالمياً. فإطالة مسارات الشحن ترفع تكلفة نقل السلع، وقد تنعكس هذه الزيادة على أسعارها النهائية، كما يؤدي تأخر وصول الشحنات إلى إرباك جداول التسليم والإنتاج.
تتفاوت آثار هذه الاضطرابات بين الاقتصادات، بحسب اعتمادها على واردات الطاقة أو صادراتها، وحجم تجارتها العابرة للممرات المتأثرة. وتواجه الدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر، تداعيات إضافية ترتبط بإيرادات العبور والخدمات البحرية واللوجستية، بينما تظل أسواق الطاقة عرضة لتأثير أي تهديد يطال مسارات الإمداد الرئيسية.








